kafra

الصين تهرّب النفط سراً إلى كوريا الشمالية

في وقتٍ مبكر من صباح يومٍ مشمس من شهر يناير/كانون الثاني 2021، انتقلت ناقلة النفط "نيو كونك" New Konk إلى أحد أحواض صيانة السفن في مقاطعة فوجيان الصينية لإجراء إصلاحات. وكان حدثٌ كهذا سيبدو روتينياً، لولا أمران كَشفا أنه خلاف ذلك.

التفصيلة الأولى أن مشغلِّي السفينة نقلوا السفينة تحت اسم مزيف، وهي ممارسة خادعة غالباً ما تُستخدم لإخفاء منشأ السفينة. والأخرى أن الأمم المتحدة كانت قد صنّفت السفينة "نيو كونك" في أوائل عام 2020 على أنها إحدى السفن التي تستخدم لنقل وتسليم النفط بطريقة غير مشروعة إلى كوريا الشمالية. ومع ذلك، لم تصادر السلطات الصينية السفينةَ ولم تبلّغ عنها.


تُبيّن صور الأقمار الصناعية الحديثة التي حصلت عليها صحيفة The New York Times الأمريكية أن الصين سمحت للسفينة "نيو كونك" وناقلات مماثلة لاستخدام بنيتها التحتية ومياهها الإقليمية لتهريب النفط إلى كوريا الشمالية، مقوضةً بذلك العقوبات الدولية المفروضة عليها. وتقتضي قواعد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من الدول الأعضاء احتجازَ السفن التي يُعتقد أنها متورطة في انتهاكات للعقوبات داخل أراضيها.

ومن الجدير بالإشارة هنا أن المنتجات البترولية المكررة مثل الوقود لا تنحصر أهميتها في الاستخدام العام لاقتصاد كوريا الشمالية، إذ إنها تستخدم أيضاً في تشغيل برنامجها النووي وصواريخها الباليستية، وهو ما تستهدفه العقوبات بالأساس. ومن ثم، تعتبر واردات المنتجات البترولية المكررة، التي يبلغ حدها الأقصى حالياً 500 ألف برميل سنوياً، نقطة ضغط رئيسية من جانب البلدان التي تفضل منهج العقوبات الاقتصادية الصارمة على كوريا الشمالية.

كانت الصين قد أيّدت قرار مجلس الأمن الدولي بتقييد واردات كوريا الشمالية من الوقود. لكن الصور الواردة التي حصلت عليها الصحيفة الأمريكية تبيّن أن الصين أبدت العزم وسمحت بغض الطرف عن الانتهاكات لهذا القرار.


تُظهر صور الأقمار الصناعية التي حصلت عليها صحيفة The New York Times بواسطة شركة Planet Labs، وعن طريق الفحص، أن السفينة "نيو كونك" كانت في مدينة نينغده الساحلية، الواقعة في شرق الصين، في 1 يناير/كانون الثاني 2021. الصورتان، اللتان تم التقاطهما بفارق ساعتين تقريباً، تُظهران السفينة "نيو كونك" وقد انتقلت إلى منطقة الحوض الجاف من حوض بناء السفن، وهي المنطقة التي تستخدم لإصلاح وصيانة السفن.

لكي تتمكن من تتبع أنشطة السفن مثل "نيو كونك"، تحصل لجنة عقوبات كوريا الشمالية التابعة لمجلس الأمن في الأمم المتحدة على دعمٍ فني من فريق الخبراء التابع لها، والمختص بالتحقيق والإبلاغ عن أي انتهاكات للعقوبات. وتشارك الصين، التي هي عضو دائم في مجلس الأمن الدولي، في تعيين سبل الاستجابة لتوصيات اللجنة وتقييمها.


مع ذلك، تبين صور الأقمار الصناعية الحديثة أن الصين قد تجاهلت بعض تلك التوصيات، والتي شملت حظر استخدام الموانئ العالمية. ويقول هيو غريفيث، المستشار ذو الخبرة في مجال العقوبات الدولية والمنسق السابق في اللجنة، في بيان مكتوب عن النتائج التي توصلت إليها صحيفة The New York Times: "إن لجنة الأمم المتحدة أبلغت مجلس الأمن عن السفينة (نيو كونك)، وقبلت الصين التقريرَ، لكنها مع ذلك سمحت لهذه السفينة، الموصى بأن تُحظر عن استخدام الموانئ العالمية، بدخول أحواض بناء السفن الصينية لإصلاحها. هذه ليست استجابة جيدة".

يظهر كذلك نهج "عدم التدخل" الذي تتبعه الصين في التعامل مع الناقلات المرتبطة بكوريا الشمالية في منطقة خليج سانشا، الذي يقع على بعد 48 كيلومتراً جنوب شرق حوض السفن في نينغده. ومن ثم، فقد أصبحت المنطقة قاعدة رئيسية لناقلات النفط المرتبطة بكوريا الشمالية.

وتُظهر صور أقمار صناعية من نوفمبر/تشرين الثاني 2020، فحصها "المعهد الملكي للخدمات المتحدة" (RUSI) البريطاني، نصف دزينة من ناقلات النفط التي أدرجتها الأمم المتحدة علناً في قوائم السفن التي توفر النفط بطريقة غير مشروعة للموانئ أو الناقلات في كوريا الشمالية. كما يظهر في الصور الملتقطة أيضاً قارب تابع للبحرية الصينية، وهو يقوم على ما يبدو بدوريات في المنطقة.

وإحدى السفن التي شوهدت في صور الأقمار الصناعية أيضاً، هي السفينة "دياموند 8" Diamond 8، وهي سفينة كان لها حضور مركزي في تحقيق استقصائي أجرته صحيفة New York Times مؤخراً وتقريرٍ حديث صادر عن المعهد الملكي للخدمات المتحدة، بالإضافة إلى "مركز دراسات الدفاع المتقدمة"، وهو مركز أبحاث يقع مقره في واشنطن العاصمة.

يقول غريفيث: "توصيات لجنة الأمم المتحدة والصور الفوتوغرافية وصور الأقمار الصناعية توفر أسباباً معقولة للاعتقاد بأن هذه السفن انتهكت القرارات الدولية. لكن في الوقت الحالي، تمنح الصين مثل هذه السفن ملاذاً آمناً".

إحدى السفن الأخرى في خليج سانشا هي السفينة "يوك تونغ" Yuk Tung، وهي سفينة أدرجها مجلس الأمن في القائمة السوداء في مارس/آذار 2018. والصين، بوصفها موقعة على القرارات، ملزمة باتخاذ إجراء ضد السفينة "يوك تونغ"؛ لأن مجلس الأمن صنّفها على أنها سفينة منتهكة للعقوبات.

ومع ذلك، يشير فحص New York Times لصور الأقمار الصناعية أن السفينة كانت راسيةً في المياه الصينية منذ يناير/كانون الثاني 2020، وقد رفضت السلطات الصينية الردَّ عندما سُئلت عما إذا كانت قد احتجزت السفينة أو أبلغت بها لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة.

وبدلاً من ذلك، قدمت السلطات الصينية تعليقاً مقتبساً من بيان صحفي صادر بتاريخ 2 ديسمبر/كانون الأول من المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية هوا تشون ينغ، والذي دعت فيه الصين مجلسَ الأمن التابع للأمم المتحدة إلى بدء "المناقشات حول إلغاء العقوبات" المفروضة على كوريا الشمالية. 

وبدوره، رفض متحدث باسم بعثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة التعليقَ على تفاصيل النتائج التي توصلت إليها الصحيفة الأمريكية، لكنه ذكر أننا "نتوقع من أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أن يكونوا قدوة يُحتذى بها" في تنفيذ قراراته.


خلال العام الماضي، قامت كوريا الشمالية بتوسيع بنيتها التحتية النفطية، إذ بدأت ببناء محطة نفط جديدة في ميناء الكوري الشمالي البارز، وهي الوجهة التي تنقل إليها ناقلات النفط الموجودة في الصين نفطها بانتظام.

ووفقاً لتقديرات بعض الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، فقد تجاوزت الصين الحد الأقصى السنوي المسموح لها من إمدادات النفط، عند 500 ألف برميل سنوياً، منذ دخول الإجراء حيز التنفيذ في 1 يناير/كانون الثاني 2018. وقد نفت كل من الصين وروسيا، وهي عضو دائم آخر في مجلس الأمن، هذه المزاعم.

من جهة أخرى، فإنه من المتوقع أن تنشر بايدن تفاصيل حول سياستها تجاه كوريا الشمالية خلال الأسابيع المقبلة. ومن المرجح أن يعتمد نهجها للضغط على كوريا الشمالية على اتباع مسلك العلاقات الفاترة مع الصين التي تساعد كوريا الشمالية، والتي وصفها بايدن بالفعل بأنها التحدي الأكبر للسياسة الخارجية الأمريكية.

وفي حين يأتي الهدف المتعلق بنزع السلاح النووي كأحد المجالات التي يأمل المسؤولون الأمريكيون في أن تتمكن الولايات المتحدة والصين من إيجاد أرضية مشتركة بشأنه، يقول غريفيث إن تقاعس الصين عن التعامل مع الناقلات التي تنقل النفط إلى كوريا الشمالية قد يكون عقبةً في سبيل الوصول إلى هذا الهدف. ويشير غريفيث إلى أن الصين "ترفض بعض من أهم الإجراءات التي من شأنها أن تبطئ، إن لم توقف، هذه البرامج النووية المحظورة من قبل الأمم المتحدة".