kafra

ورحلت أمـي

عبير عبد روميدي

تيقظني أمّي في أحد الصبّاحات وتقرّ لي بضحكة أنّها تشعرُ وكأنّ موتها سيجيء اليوم ولا تريد أن تكون وحدها.

تدخلُ غرفتي وتناديني "عبّورة" مرّات عديدة إلى حين أستيقظ، تفتحُ السّتارة فتمدّ الشمس يدها ممسكةً بذراعي وتشدّني من السّرير.

أضحك عليها حين تناديني "عبّورة"، هناك طلبٌ حتمًا وانا ليس من عادتي أن أرفض لها شيئًا خصوصا لو سبقت طلبها باسمي الذي تغنّيه.

أغالبُ نعاسي، لا أتذمّر.

أعدّ قهوتي وأجلسُ قبالتها في الغرفة التي تجلسُ فيها هي.

تحدّث شقيقتها في الهاتف، تنادي جارتنا كي تشربَ معها القهوة وتشاركها شعورها باقتراب الموت.

أتذكّر أنّها حين أخبرتني أنّ نتيجة الفحص الذي أجرته يقول بأنّ هناكَ سرطانًا يقتلها ببطء ضحكت.

ضحكت حقًّا، ظننتها مزحة، أمّي سيقتلها السرطان بعد أن نجت من كلّ ما رأته في حياتها؟ 

أمّي التي نجت من موتِ أهلها ورحيل أبي ومن الحرب والفقر والإكتئاب، أمّي التي واجهت العالم بثلاثة أطفال وحاربت من أجلهم، سيقتلها سرطان؟

تعرب أمّي لاحقًا عن فرحها بتعاملنا مع سرطانها كما لو كان "نزلة برد".

تقول أنّنا لم نعد ترتيب حياتنا معها على أنّها ستموتُ قريبًا، هذا أمرٌ أسعدها وخفّف من قلقها وخوفها.

تقول أمّي تارةً أنّ "قلبها بارد"، لا تشعر وكأنّها ستموت هذه المرّة، ظلّت تحارب آراء الأطباء ونتيجات الفحوص التي قالت بأنّها لن تبقى كثيرًا.

يخبرني أحد العاملين في مكتب الأنروا أنّ أمّي حين زارته في آخر مرّة، أعربت له عن شعورها بأنّها لن تعود هذه المرّة.

تقولُ أمّي للغرباء أنّها لن تعود، وتكذبُ عليّ وتقول أنّها لن تموت.

تجلسُ قبالتي في الغرفة الأخرى، أجلس في غرفتي وأعمل على شيءٍ ما على سريري، أراها تنظرُ إليّ كما لو أنّني سأسافر في تلك الليلة.

تحاول أن تحفظني، تفكّر في رحيلها الذي لن تتراجع عنه، في كلّ الأشياء التي سأعيشها وسأقاسيها بعد رحيلها، تفكّر في كلّ الإحتمالات التي حاربت طويلًا من أجل ألا تحصل لكنّها ستحصل حين ترحل هي.

ترحل أمّي، تترك لي رسائل مع الغرباء أقرأها لاحقًا، أهربُ من كل الذين كانت تعرف، أهربُ من كلّ الذين عرفوها لأنّهم يذكّرونني بموتها وانا لا أريد أن أصدّق.