kafra

حسن... وناصر

عبير عبد روميدي


أتذكّر مجانين المخيّم واحدًا واحدًا.

من السّهل أن يصنّف النّاس في المخيم بعضهم، ناصر المجنون الذي يمشي صباحًا إلى وجهةٍ غير محددة، ناصر الذي يحدّث الجنّ ويحرّك يديه في دوائر ويردّد طلاسم لا يفهمها المارّة.

كنت أقول له صباح الخير حين كنتُ أصادفه في طريقي إلى المدرسة.يبتسم ناصر، يردّ عليّ برأسه التي تميل إلى أعلى ثم أسفل.


حسن، ضحيّة شظيّة "إسرائيلية" طالته في حربٍ من الحروب، ضحيّة اعتقالاتٍ وتعذيبٍ من "الإسرائيليين".

يخافُ النّاس من حسن لأنّه يغضب أحيانًا فيثور عليهم، يختبئ في العتمة، يشرب قهوته وحيدًا في العتمة.

يزورني حسن حين كنت طفلة، تقول أمّي أنّه كان يحبّني لأنّني لم أكن أخافه، يحضر لي كيسًا مليئًا بالحلوى ويلاعبني ثمّ يرحل.

تدعوه حكمت كي يشرب القهوة عندنا ويساعد في تقليم الشّجر والجوريّ، يقتصّ حسن أكثر من اللازم من جميلة جدّتي المزروعة في جذر بيتها، تضحك أمّي.

تقول لاحقًا: "حسن قصّ الجميلة، بس رجعت طلعت." 

أعدّ له القهوة، أدعوه كي يشرب، يطلب منّي أن آخذها إليه في عتمته. 

قضى جزءًا من حياته في مشفى للأمراض النفسية، لم يكن يحتاجها، كان الحب وحده سيصلحه.

"بحب أقعد بالعتمة، هيك أحسن."

دفع خوف النّاس من حسن به إلى أن يخاف من نفسه، يخاف أن يضحك، يخاف أن يبكي، يخاف أن يحكي.

يتطلّع إلى ذراعيه السمراوتين بخوف، يحزن لأنّه يدرك خوف الأطفال منه، الأطفال الذين يحبّ.

لم يكن ناصر مجنونًا، وحسن لم يكن مخيفًا قط.

النّاس هم من كانوا يركّبّون الأحجيات كي تناسب ضحكاتهم ويلفّقون الحكايا كي يجدوا في لياليهم ما يتسامرون عليه.

المخيّم مصنع المجانين، والمجانين هم الذين لا يعرفون الحبّ.