kafra

لم يعد منزلنا بيتاً منذ ماتت أمي

عبير عبد روميدي


-ماذا يعني أن يكونَ لك بيت؟

هل كان البيتُ في المخيّم بيتًا بكلّ ما تحمله الكلمةُ من حنان ودفء؟ 

كان الشّتاء الذي تلا رحيل أمّي هو الأبرد، أمّي التي كانت تجهّز لل"مربعانيّة" بمدفأة الحطب وتلك التي تعمل بالغاز، بلحافات الصّوف المنجّدة خصّيصًا والشراب السّاخن،  بالزينكو الذي كانت تصعد إلى السطح لرتقِ الثقوب فيه، بالنايلون الذي كانت تدثّر به بوّابة غرفتي الشرقيّة لأنّ الهواء الذي يجيءُ من القرى الواقعة على كتف المخيّم "مسمّ"، بالستائر التي فصّلناها لغرفتي كي تحميني من البرد، بالسّجادِ والكستناء الذي نفرشه على مدفأتنا وتحترق أصابعنا في محاولة تقشيره، بالحجارة التي كانت تثبّتها على سطح بيتنا كي لا نطير.

تخافُ أمّي أن يطيرَ سقف بيتنا في الشّتاء فنصبح عراة من كلّ شيءٍ عدا حزننا.

- ماذا يعني أن يكون لك بيت؟ 

هل تموت البيوت بموتِ أهلها؟ 

تموت، وتصبحُ البيوت مصابيح كي تستقبل الفراشات.

تعلّمنا أمّي منذ بداية الحزن أنّ أبي لم يرحل دون عودة، يزورنا في ليالي الجمعة.

أبي فراشةٌ تزور في ليالي الجمعة فيحطّ على جدار الغرفة أو يحلّق حول أمّي.

أمّي ملاك، تبذل الكثير في سبيل روح أبي التي ذابت في الوجود، "عبد مبسوط، قرأتله قرآن." 

-تعلّمني أمّي قراءة السّور، سورة الإخلاص، روتين ليليّ أردده لأبي.

عشرون مرّةً تبني له بيتًا في الجنّة، كنّا نبني له أربعة بيوتٍ كلّ ليلة.

تسأل أمّي: أتقرأون لي كذلك حين أموت؟

-لا حاجة لك ببيتٍ جديد، تعيشين معنا.

بيوت الجنّة كثيرة.

-ماذا يعني أن يكون لك بيت؟

ما هو البيت دون الياسمينِ والزّيتون الجالس في حضن حاكورتنا؟ ما هو البيت دون العصافير التي تسترق السمع إلى حزني فتترجمه أغنيات؟ ما هو البيت دون ورود أمّي والغروب؟ 

البيت: عريشةٌ تمتدّ على طول الخيمة التي نصبها أبي، ابتسامةُ أمّي، انتظارها، فرحها بانتصاراتي الصغيرة، طُهرها، حنانها الذي يصفع العالم حين يؤذيني.

البيت، لم يعد منزلنا بيتًا منذ ماتت أمّي.

تزور أمّي في ليالي الجمعة بيتنا حيث كانت، أطلتُ عليها المسافة، لا تقدر فراشةٌ منهكةٌ بجناح مكسور أن تصل إلى مصر.

أمّي في البيت كلّ ليلة جمعة.

انا من رحلت.