kafra

الكـلمة الجـارحة

يوسف نور الدين


آه من الكلمة الجارحة! ما أسرعها في الإصابة! وما أبطأها في البُرء والعافية! تراها سهماً نافذاً يدمي من يصيبه، ويلف بالندم من يطلقه. 

وتراها كتلة من نار، تلهب الألم حيث تقع، وتوقظ الحسرة من حيث تتحرك. 

وتراها زوبعة من إعصار تبعث الخراب حيث تصل، وتورث الوحشة والملامة من حيث تنطلق. 

نعم، الكلمة الجارحة، تجرح سامعها والمعنيّ بها، تؤذيه، تدمي قلبه، وقد تصيب منه مقتلاً، أما صاحبها، فقد يصل في لحظاتها الى ما يريد من تنفيس غضبه، والتعبير عن كل ما يشعر به من غيظ، وما يعانيه من احتقان. 

والكلمة الجارحة تقض المضاجع، وتقلّب المواجع، وتقطع سُبل التلاقي، وتعيق دروب التواصل، وتحرق ورود المحبة، وتُذوي أزاهير المودة، وترفع حواجز الفرقة، وتقيم عوائق التباعد، وترسل ظلمات الوحشة، وتسدل أستار الغربة. 

واذا ما ارتفعت كل أسباب الغضب، وانطلقت أشرعة القلوب نحو شواطئ الوئام، وتحركت مراكب الأفئدة نحو سواحل السكون، وقفت الكلمة الجارحة ريحاً تمزق الأشرعة، وصخرة تفصل بين المراكب، لم يبقَ من الإشكال إلا الكلمة الجارحة، كل الأخطاء يمكن أن تُغفر، وكل الإساءات قد تجد لها محلاً للتسامح، إلا الكلمة الجارحة تبقى ترن في الأُذن، وتخفق في الحشا، وتحرك الأعماق، وتجمّد كل محاولات الوفاق، وتعيق كل تقارب وإصلاح. 

لذا ترى العاقل يحذر ساعة غضبه أن يكون صاحب كلمة جارحة، تراه يكظم غيظه وينتقي كلماته، فلا يخرجه غضبه عن طوره، ولا يبعده توازنه عن الصواب، لأنه يدرك أن كلمته عندما تجرح تنكّس بيارقه مهما رفّت على ربى الحق، وتكسف شمسه مهما أشرقت على آفاق الحقيقة. 

بل إنك ترى العاقل عندما يغضب، وعندما يعاقب، وعندما يؤنب، وعندما يقرّع يختار كلمته لتكون بلسماً تعينه عندما يستفيق الآخر من غفوته، أو يقوم من كبوته، أو يعود عن أذيّته، أو عندما تمحي الغشاوة عن عينيه، فيسترجع الكلمة البلسم، ليجعلها حبلاً يتمسك به للرجوع، وضَوْءاً يعشو إليه في الغياب، وحَدْياً لركبه في المسير. 

فتعالوا عند الغضب وعند العقاب وعند الملامة، حتى وإن كنا نملك كل الحق، ونحدّق بشمس الحقيقة، تعالوا نبتعد عن الكلمة الجارحة، حتى لا نكون قطّاع طريق أمام المنيبين، ونبحث عن الكلمة البلسم حتى تكون قارب نجاة للمتطلعين إلى بر الأمان.